الآلوسي

31

تفسير الآلوسي

( أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) الصدر صورة ، أو أول متعبد وضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة الصدر المعنوي الذي هو أشرف مقام في النفس وموضع ازدحام القوى إليه ، ومعنى كونه ( مباركاً ) أنه ذو بركة إلهية بسبب فيض الخير عليه ، وكونه ( هدى ) أنه يهتدي به إلى الله تعالى والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف والحكم والحقائق ، و ( مقام إبراهيم ) إشارة إلى العقل الذي هو مقام قدم إبراهيم الروح يعني محل اتصال نوره من القلب ولا شك أن من دخل ذلك ( كان آمناً ) من أعداء سعالى المتخيلة وعفاريت أحاديث النفس واختطاف شياطين الوهم وجن الخيالات واغتيال سباع القوى النفسانية وصفاتها * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ) * ( آل عمران ؛ 97 ) وهم أهل معرفته عز شأنه ، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا قعدوا ، يحكى عن بعضهم أنه قال : قلت للشبلي : إني حججت فقال : كيف فعلت ؟ فقلت : اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لي : عقدت به الحج ؟ فقلت : نعم قال : فسخت بعقدك كل عقد عقدت منذ خلقت مما يضاد هذا العقد ؟ قلت : لا قال : فما عقدت ، ثم قال نزعت ثيابك ؟ قلت : نعم قال : تجردت عن كل فعل فعلت ؟ قلت : لا قال : ما نزعت ، فقال . تطهرت ؟ قال : نعم قال : أزلت عنك كل علة ؟ فقلت : لا قال فما تطهرت ، قال لبيت ؟ قلت : نعم قال : وجدت جواب التلبية مثلاً بمثل ؟ قلت : لا قال : ما لبيت ، قال دخلت الحرم ؟ قلت : نعم قال : اعتقدت بدخولك ترك كل محرم ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : أشرفت على مكة ؟ قلت : نعم قال : أشرف عليك حال من الله تعالى ؟ قلت لا قال : ما أشرفت ، قال : دخلت المسجد الحرام ؟ قلت : نعم قال : دخلت الحضرة ؟ قلت : لا قال : ما دخلت المسجد الحرام ، قال : رأيت الكعبة ؟ قلت : نعم قال : رأيت ما قصدت له ؟ قلت : لا قال ما رأيت الكعبة ، قال رملت وسعيت ؟ قلت : نعم قال : هربت من الدنيا ووجدت أمناً مما هربت ؟ قلت : لا قال : ما فعلت شيئاً ، قال : صافحت الحجر ؟ قلت : نعم قال : من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافح الحق ظهر عليه أثر الأمن أفظهر عليك ذلك ؟ قلت : لا قال : ما صافحت ؛ قال : أصليت ركعتين بعد ؟ قلت : نعم قال : أوجدت نفسك بين يدي الله تعالى ؟ قلت : لا قال : ما صليت . قال : خرجت إلى الصفا ؟ قلت : نعم قال : أكبرت ؟ قلت : نعم فقال : أصفا سرك وصغرت في عينك الأكوان ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ولا كبرت . قال : هرولت في سعيك ؟ قلت : نعم قال : هربت منه إليه ؟ قلت : لا قال : ما هرولت ، قال : وقفت على المروة ؟ قلت : نعم قال : رأيت نزول السكينة عليك وأنت عليها : قلت لا قال : ما وقفت على المروة ، قال : خرجت إلى منى ؟ قلت : نعم قال : أعطيت ما تمنيت ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ، قال : دخلت مسجد الخيف ؟ قلت : نعم قال : تجدد لك خوف ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : مضيت إلى عرفات ؟ قلت : نعم قال : عرفت الحال الذي خلقت له والحال الذي تصير إليه ؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكراً له ؟ وهل تعرف الحق إليك بشيء ؟ قلت : لا قال : ما مضيت ، قال : نفرت إلى المشعر الحرام ؟ قلت : نعم قال : ذكرت الله تعالى فيه ذكراً أنساك ذكر ما سواه ؟ قلت لا قال : ما نفرت ، قال : ذبحت ؟ قلت : نعم قال : أفنيت شهواتك وإراداتك في رضاء الحق ؟ قلت : لا قال : ما ذبحت ، قال : رميت ؟ قلت : نعم قال : رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك ؟ قلت : لا قال : ما رميت ، قال : زرت ؟ قلت : نعم قال : كوشفت عن الحقائق ؟ قلت : لا قال : ما زرت ، قال : أحللت ؟ قلت : نعم قال : عزمت على الأكل من الحلال قدر ما تحفظ به نفسك ؟ قلت : لا قال : ما أحللت ، قال : ودعت ؟ قلت نعم قال : خرجت من نفسك وروحك بالكلية ؟ قلت : لا قال : ما ودعت ولا حججت وعليك العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك انتهى .